محمد أبو زهرة

47

المعجزة الكبرى القرآن

إعجاز القرآن 26 - ذكر المؤرخون ما كان عليه العرب من تلقّ لديانات النبيين السابقين ، حتى قال قائل المؤرخين وأهل السير : إن نوحا عليه السلام كان بعثه فيهم ، وكذلك كان إدريس ، وصالح ، وشعيب ، وهود ، وإبراهيم ، وإسماعيل ، فكانت مهدا للرسالة الإلهية . وإذا كان لذلك أثر أو دلالة ، فهو أن العرب قوم فيهم ثقافة وأديان ، وقد وضحنا ذلك عند الكلام في حكمة اختيار العرب لأن يكونوا موضع الرسالة الخالدة رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ( فيما كتبنا في سيرة الرسول عليه السلام ) . وإذا كان العرب في عصر الرسالة المحمدية كانت فيهم بداوة سائدة ، وحضارة قليلة ، فأكثر العرب ، أو الصحراء العربية إن استثنينا اليمن والحيرة ، وما يصاقب الفرس ، والشام ، وما يصاقب الرومان - كانت البداوة فيهم غالبة ولكنهم في بدوهم وحضرهم ، في مدرهم ووبرهم امتازوا من بين معاصريهم بالنزوع إلى الكلام الطيب ، وكانت سيادة الأمية سببا في أن أرهفوا كلمات لغتهم وأسلوب خطابهم ، وملاحظة جرس الكلمات ، وموسيقى العبارات وانسجام الحروف ، ومؤاخاة المعاني للألفاظ ، حتى إن النطق يدل على المعنى ، وفي مترادف الكلمات ما يدل على أن المعاني كانت ملاحظة في كل لفظ ، فالأسد يقال له أسد وليث وغضنفر ، وغير ذلك من المترادفات لمعنى السبع ، فكلمة غضنفر تقال له في حال عنفه وفتكه ، وكلمة ليث تقال في حالة ثباته ورباطة جأشه ، وهكذا تجد النطق متلاقيا مع المعنى ، فهما متساوقان ، المعنى ملاحظ في النطق ، والنطق لابس للمعنى ، وكلاهما يحيط بصاحبه ويؤاخيه ولا ينفصل عنه . وفي الأسلوب الذي يصوره الإعراب تجد الانقطاع عن النسق الإعرابى في القول يتغير بتغيير وجه الإعراب ، من غير خطأ ، بل يقصد معنى من معاني التخصيص يكون النطق في الانقطاع قائما مقام وضع خطوط تحت الكلمات ، كما يفعل الكاتبون غير الأميين ، وهكذا كان النطق قائما مقام خطوط الكاتبين في تنبيهها ، وشدة الاختصاص في دقة المعاني ، فهي بحق لغة إفصاح ، وذلك لقوة المدارك ، وعلو الأفكار ، والنزوع إلى السمو والمعالي مع الأمية وغلبة البدوية . وقد ظهر ذلك في أمرين : أحدهما أن الجزء الذي دخلته حضارة من البلاد العربية كاليمن والحيرة والبحرين لم تكن عندهم فصاحة كالذين لم تسيطر عليهم الحضارة في قوة الإفصاح والبيان وسلامة التعبير ، فلم تكن اليمنية كالعدنانية . ولا لغة أهل البادية كلغة قريش ، لأن قريشا قد قاربت ، وذاقت بعض الحضارة ، وبقيت أميتها .